لسان الدين ابن الخطيب

4

الإحاطة في أخبار غرناطة

وغيوث النّدى ، ما أقل ساعد يدا ، وعمر فكر « 1 » خالدا ، وما صباح بدا ، وأورق شدا ، فإن اللّه ، عزّ وجهه ، جعل الكتاب لشوارد العلم قيدا ، وجوارح اليراع تثير في السهول الرّقاع صيدا . ولولا ذلك لم يشعر آت في الخلق بذاهب ، ولا اتصل شاهد بغائب ، فماتت الفضائل بموت أهلها ، وأفلت نجومها عن أعين مجتليها ، فلم يرجع إلى خبر ينقل ، ولا دليل يعقل ، ولا سياسة تكتسب ، ولا أصالة إليها ينتسب ، فهدى سبحانه وألهم ، وعلّم الإنسان بالقلم ، علم ما لم يكن « 2 » يعلم ، حتى ألفينا المراسم بادية ، والمراشد هادية ، والأخبار منقولة ، والأسانيد موصولة ، والأصول محرّرة ، والتواريخ مقرّرة ، والسير مذكورة ، والآثار مأثورة ، والفضائل من بعد أهلها باقية خالدة ، والمآثر ناطقة شاهدة ، كأنّ النهار « 3 » القرطاس ، والليل المداد ، ينافسان الليل والنهار ، في عالم الكون والفساد ، فمهما طويا شيئا ، ولعا هما « 4 » بنثره ، أو دفنا ذكرا دعوا إلى نشره . فلو « 5 » أنّ لسان الدهر نطق ، وتأمّل هذه « 6 » المناقضة وتحقّق ، لأتى بما شاء من عتب ولوم ، وأنشده : [ الوافر ] أعلّمه الرماية كل يوم « 7 » ولمّا كان الفنّ « 8 » التاريخي مأرب البشر ، ووسيلة إلى ضمّ النشر ، يعرفون به أنسابهم في « 9 » ذلك شرعا وطبعا ما فيه ، ويكتسبون به عقل التجربة في حال السكون والتّرفيه « 10 » ، ويستدلّون ببعض ما يبدي « 11 » به الدهر وما يخفيه ، ويرى العاقل من « 12 » تصريف قدرة اللّه تعالى ما يشرح صدره بالإيمان ويشفيه ، ويمرّ على مصارع الجبابرة فيحسبه « 13 » بذلك واعظا ويكفيه ، وكتاب اللّه يتخلّله من القصص ما يتمّم هذا « 14 » الشاهد لهذا الفن ويوفّيه . وقال اللّه تعالى « 15 » : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ

--> ( 1 ) في الريحانة : « بكر » . ( 2 ) كلمة « يكن » ساقطة في الريحانة . ( 3 ) في الريحانة : « كأن نهار الطّرس وليل المداد . . . » . ( 4 ) كلمة « هما » ساقطة في الريحانة . ( 5 ) في الريحانة : « ولو » . ( 6 ) في الأصل : « لهذه » والتصويب من ريحانة الكتاب . ( 7 ) وعجز البيت هو : فلمّا اشتدّ ساعده رماني ( 8 ) في الريحانة : « ولمّا كان هذا الفن التاريخي فيه مأرب . . . » ؟ ( 9 ) في الريحانة : « وفي » . ( 10 ) في الأصل : « والرفيه » والتصويب من الريحانة . ( 11 ) في الريحانة : « ما يبديه الدهر على ما يخفيه » . ( 12 ) في الريحانة : « العاقل في قدرة اللّه . . . » . ( 13 ) في الريحانة : « فيحسب ذلك » . ( 14 ) كلمة « هذا » ساقطة في الريحانة . ( 15 ) في الريحانة : « سبحانه » .